محمد خليل المرادي

328

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وعده بإرسال شيء من العسل ، ولم يوف الوعد قوله : يا شبه قارون في مال وفي سعة * ويا سمي الذي للمرتضى قتلا إنّي عجبت لمثلي كيف ساغ له * من أرقم ذات سمّ يطلب العسلا ولمّا دفعهما إليه أجاب بأحسن جواب ، حيث قال له : أنت كالحدأة سلاحها لسانها . ورجب المذكور كان أعجوبة دهره في الشعر . له باع في أقسام الشعر ، خصوصا الهجاء . وله فيه نوادر عجيبة . وكان مكثارا بديها . وترجمه الأمين في تاريخه « 1 » ونفحته . وذكر أنّه كان حمصي الأصل ، دمشقيّ المولد . وتوفّي بحلب في سنة إحدى وتسعين وألف . وكان صاحب الترجمة له رتبة الصحن المتعارف بين الموالي . وله توجّهات إلى حلب . وصحب الجدّ الكبير الأستاذ الشيخ السيّد مراد ، وأخذ عنه الطريقة النقشبنديّة . وله محبّة أكيدة مع الشيخ العارف الكبير الشيخ عبد الغني النابلسي . ويجري بينهما مطارحات أنيقة يجيء ذكر بعضها . وكان له شعر في غاية البلاغة ، ومقاطيع ذكرهم في ديوانه المشهور . وفي آخر عمره توجّه لدار الخلافة في الروم ، لأجل ما وقع لولده الآتي ذكره ، إن شاء اللّه تعالى . واجتمع بشيخ الإسلام المولى فيض اللّه ، وأمره بالتوجّه معه إلى أدرنة لقضاء مآربه ، فتوجّه معه ، وأنشد له قصيدة آخرها : فارحم مشيبي يا همام فإنّني * جاوزت للسبعين حدّا مذعنا فأناله منه ما تيسّر ، ثم لمّا رجع منها بعد أن تزوّج بامرأة أخيه العالم البارع المتوفّى بقسطنطينيّة ، واستقام فيها مقدار سنتين ، دخل بعلبكّ مريدا التوجّه إلى داره بدمشق فأدركه الحمام . وترجمه الأمين المحبي في نفحته « 2 » ، وذكر له من شعره ، وقال في وصفه : أديب سامي القدر ، متوقّد كالقمر ليلة البدر . حسن المحاضرة بالإنشاء ، وارف الظلال والأفياء . يجري على طرف لسانه ، ما ينطق الدهر باستحسانه . وهو أخ لك في الغرض ، جوهر أخلاقه لا يشوبه عرض . وفيه لوذعية تحبّبه ، وبشاشة تزلّفه وتقرّبه . وبيني وبينه صحبة ألحمتها الآداب وسدتها ، ومودّة ربطتها موافقة القلبين وشدّتها . وهو اليوم طلّق الشعر ثلاثا ، ونقض غزله أنكاثا . وتخلّص لعلم ينفعه في الحال والمآل ، ويجدّد له في اللّه كلّ ما تعوّده من أمان وآمال . وقد أثبتّ له من أوائل شعره كلّ بديع الوصف . زاد على الجوهر في الشفافية

--> ( 1 ) خلاصة الأثر 2 / 160 . ( 2 ) 1 / 448 .